عاشق في القطار

عاشق في القطار  



  






دخلت مقصورة القطار، وجدتهما يجلسان في هدوء قبالة بعضهما، هو يبدو ستينيا بشعره الاشيب تحت قبعة سوداء تعمم رأسا يحمله جسم قصير ونحيل، وهي تبدو في مثل عمره ، لكنها تبدو أكثر شبابا وجمالا بعينينها الزرقاوتين، وبشرتها الناصعة البياض، وشعرها الاحمر.
للحظة تساءلت كيف لهذه التي تبدو في عقدها السادس بارعة الجمال ان تزوجت هذا الرجل الذي يبدو دميما وجافا؟

سمعتها تقول له في هدوء: اريدك ان تذهب معي وانا اتسوق الملابس التي احتاج ، يجيبها هو بحدة: لا لن اذهب معك للتسوق ، ترد عليه بهدوء الذي يتفادى ان يتسبب في غضب الآخر: سوف اشتري بسرعة ما احتاجه ونعود للبيت وبعدها لا داعي لان تخرج . يرد هو في اقتضاب: لا لن ارافقك .
ترد عليه في صبر حسدتها عليه: انا يمكنني ان اذهب وحدي لكني اريد ان تكون معي واعدك اني لن اتاخر وسنعود للمنزل ولا تبرحه .
اشفق عليها وافكر كيف لهذه المراة ان تتوسل لزوجها ان يرافقها وهو يرفض، واشعر بغضب نحوه، تلتفت الي وتضبطني اتابع حديثهما، فاتظاهر باني شاردة، ثم احول نظري الى جهة اليسار وهناك من زجاج باب المقصورة اتابع بحزن هذه المراة  الجميلة وهي تحاول اقناع زوجها الذميم بتلبية طلبها.
يحضر بائع الأكل في القطار، اطلب منه ان يتوقف واشتري منه ما احتاج، واسمع المراة تقول لزوجها: اريد مشروبا غازيا ، لا يرد ويتحدث مع البائع طالبا المشروب، واسمعها تقول له: قل له ان يعطيك كأسا ، يجيبها: لا اريده ،ترد عليه في اقتضاب:
لكني انا اريده .
افرح في نفسي واكاد اصفق لها تشجيعا، انظر الى زوجها بطرف عيني، اجده بوجه جامد التعابير يطلب من البائع الكاس، ويمده لها في صمت.
تفتح قنينة المشروب الغازي، تصب منه الكثير وهو يتاملها في صمت لا ينافسه الا صمت القبور، تحمل الكاس البلاستيكي الى شفتيها ترتشف منه القليل، ثم تمد يدها الى الطاولة لتعيده ، لكنه يخطئ الطريق فيقع أرضا وتتناثر منه فقاعات المشروب الغازي على ارضية المقصورة السوداء.
تتسمر عيني على الفقاعات البيضاء، ارفع بصري ببطء نحو المرأة واتوقع ان ارى وجها مرتعبا من التانيب الذي سيلحق بها من زوجها الغضوب، لكني افاجا بها تطلق ضحكة عالية، وحمرة الخجل تغزو وجنتيها البيضاوتين، وتنظر الى زوجها الذي بقي صامتا صمت ابو الهول، وعيناها الخضراوتين تلمعان في فرح.
نظرت الي وهي تضحك، لم استطع ان ابادلها الضحكة بالضحكة لاني كنت انتظر انفجار زوجها وتانيبه لها في اي لحظة، وفعلا تحرك الزوج الصنم، وخرج من قوقعته، وضع يده في جيب سترته، واخرج منديلا، وأمسك بيديها وبدأ يمسح بلطف وصمت ما وقع عليهما من شراب، وكانت هي تتابع حركاته بنفس الضحكة الساخرة من نفسها،
ارجع منديله الى جيبه دون ان ينبس بكلمة، اخذ كيسا بلاستيكيا كان على الطاولة، فتحه، واخرج منه سندويتشا، قسمه بيده الى شطرين، منحها شطرا، واخذ هو الشطر الاخر، وبدا ياكله في هدوء وصمت، في حين كانت هي تتناول شطرها وهي لا تزال مبتسمة، وعيناها الزرقاوتان لا تزالان تلمعان في شغب طفولي .
تأملتهما من جديد، تأملتهما بعين جديدة، عين التي فهمت لم كانت هذه المراة لا تزال تبدو رائعة الجمال والشباب وهي في عقدها السادس، ولم هو يبدو مسنا وان كان في نفس عمرها.
فهمت ان الطفل الحقيقي في هذا الثنائي العجوز ليس الرجل الذي كان يبدو لي ذميما وانما هي هذه المراة الخضراء العينين.
كان هو هادئا هدوء الراشد الذي يقمع الطفل فيه حتى يتسنى له العناية بالطفل الذي معه، وكانت هي هذا الطفل الذي يتصرف بعفوية وشغب لانه يعرف جيدا ان هناك راشدا محبا يتابعه في صمت، وسوف ينزل عن صمته ان هو شعر بالخطر يداهم طفله.
التفت الرجل ناحيتي، وتمكنت من ان ارى وجهه كاملا، لم يكن ذميما، بنظارته السميكة، وانفه المعقوف، وبشرته الشاحب، لم يكن دميما، او لم يعد في نظري دميما مذ رايته يمسح يدي زوجته في لطف وصبر، ومسح بفعله الرقيق هذا كل ما قرأته خطا من تصرفاته، حتى اني قاومت الا اقوم من مكاني واذهب اليه واقول له”اسفة لقد ظلمتك…”.

تعليقات

الأرشيف

نموذج الاتصال

إرسال